كان من المفترض أن تغادر البارحة الثلاثاء أول طائرة من لندن إلى كيغالي تحمل على متنها لاجئين سوريين وأفغان وألبان بموجب اتفاق وقعته الحكومة البريطانية مع الحكومة الرواندية يقضي بأن تقوم رواندا باستقبال طالبي اللجوء اللذين يصلوان الأراضي البريطانية دون إذن دخول سواء براً أو جواً أو بحراً وبالتالي يعتبر دخوله غير قانونياً ويمكن ترحيله إلى رواندا بموجب الاتفاق.


وتأتي هذه الخطوة بعد قرار رئيس الوزراء البريطاني ” بوريس جونسون” نيسان الفائت بمنع طالبي اللجوء القادمين حديثاً من الإقامة في بريطانيا، وبناء عليه تم توقيع اتفاق مع الحكومة الرواندية بموجب خطة تبلغ ميزانيتها 120 مليون جنيه إسترليني مقدمة للحكومة الرواندية مقابل استقبال اللاجئين في مراكز لجوء تقضي بأنه يمكن للشخص تقديم طلب اللجوء في بريطانيا، ولكن يجب عليه الانتظار حتى البت في طلبه في رواندا، ولا يعلم بالتحديد فترة لانتظار التي قد تكون طويلة جداً، عدا ان طالب اللجوء سيكون بعيداً عن مكاتب الاستشارة القانونية في بريطانيا أو أن تتولى سلطات البلد الثاني صلاحية البت بقرار اللجوء عدا عدم ضمان حقوق الانسان في معاملة طالبي اللجوء.

المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان

تدخل المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في اللحظات الأخيرة، حيث كان من المقرر أن تقلع الرحلة مساء الثلاثاء في الساعة 22:30 بتوقيت جرينتش من مطار عسكري في ويلتشير ، ولكن بعد سلسلة من الأحكام والاتصالات بين ستراسبورغ ولندن ، تم إنزال جميع الركاب منها في اللحظات الأخيرة.  

المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان اعتبرت أن هناك خطر حقيقي في قرار ترحيل طالبي اللجوء ويتمثل في ضرر لا يمكن إصلاحه على عكس ما اعتبره القاضي البريطاني “جوناثان سويفت” الجمعة 10 حزيران عندما أجاز للحكومة المضي قدما بخطتها بترحيل طالبي اللجوء الى رواندا معللاً قراراه بانه “لا يوجد دليل على حدوث ممارسات تحمل سوء معاملة أو إعادة قسرية للمرحلين خلال المرحلة الانتقالية التي سيقضونها في رواندا”، حسبما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

قرار المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان جاء بناء على طعن مقدم من رجل عراقي معروف باسم “KN” وبناء على طعنه منحته المحكمة تدبير مؤقت عاجل، وبناء عليه يستفيد بقية من كان سيتم ترحيلهم إلى رواندا من قرار وقف الترحيل.

 ما كان من المفترض أن يكون مصير طالبي اللجوء في رواندا

كان من المفترض أن يدخل اللاجئون في عهدة الحكومة الرواندية التي اشترطت قبول طالبي اللجوء البالغين وغير المتزوجين، مع شرط ألا يكونوا من أصحاب السوابق أو مسجلين في قوائم البحث الأمنية، هذا يضع العائلات في استثناء من الترحيل إلى رواندا، وحسب منظمات حقوقية فإنه يستثنى أيضاً كبار السن من الترحيل، ويتم التركيز غالباً على الذكور حتى سن 30 عاماً، رواندا بدورها قالت إن لديها الإمكانات لاستقبال اللاجئين في مراكز استقبال طالبي اللجوء، هذه المراكز التي تعرضت لانتقادات عدة من منظمات حقوقية كونها لا توفر شروط العيش الكريم.

 وبناء عليه كان يحق للاجئ الذي تم ترحيله إلى رواندا تقديم طلب اللجوء للمملكة المتحدة، ويتم الانتظار حتى البت في طلبه ولا يعلم فترات الانتظار المتوقعة لذلك،  وبحسب السلطات الرواندية فإنه سيحق لطالبي اللجوء الحرية في التحرك والتنقل وسيتم منحهم أيضأ تصريح عمل ،وفي حال قيامه بارتكاب مخالفة قانونية أو جنائية، فإن السلطات الرواندية ستقوم بترحيله لأول بلد آمن قريب من رواندا أو إعادته إلى بلده الأصلي، مما يطرح تساؤلات كثيرة في حال كان الشخص ملاحقاً بسبب آرائه السياسية أو انتماءاته  العرقية أو الدينية أو ميوله الاجتماعية.

وتحاول الحكومة البريطانية منذ انسحابها من الاتحاد الأوربي تشديد قوانين الهجرة واللجوء ومنح الجنسية، وآثار قانون ” الجنسية والحدود” الذي نجحت حكومة “جونسون” بتمريره في مجلس العموم موجة من السخط والشجب بين أوساط المنظمات الحقوقية والقانونية، حيث تمت إضافة تعديلات غير مسبوقة منها منح وزارة الداخلية حق سحب الجنسية من مواطني الدرجة الثانية حتى دون إعلامه بالأمر، مما أثار موجة قلق كبيرة بين أوساط المهاجرين واللاجئين.

ضاربة بعرض الحائط بنود اتفاقية دبلن واتفاقية جنيف كان لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي أتاح لها القدرة على تعديل الكثير من إجراءات وقوانين اللجوء واعتماد إجراءاتها الخاصة دون الرجوع على القوانين المفروضة من الاتحاد الأوربي مما أثر سلباً وبشكل كبير على اللاجئين الجدد.

بموجب المادة “33” من اتفاقية جنيف للعام 1951 لا يجوز فرض العودة القسرية على اللاجئين حيث لا يجوز لأية دولة متعاقدة أن تطرد لاجئاً أو ترده بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية، إضافة إلى أن اتفاقية جنيف نصت على أن الدول المتعاقدة ملزمة بتقديم الخدمات الأساسية من صحة ورعاية وتعليم للاجئ لا يجوز احتجازه في مراكز اعتقال إن لم يكن قد ارتكب جريمة، اتفاقية دبلن بدورها ذهبت أدراج الرياح مع الإجراءات الحكومية البريطانية الجديدة بحق طالبي اللجوء حيث نصت اتفاقية دبلن للعام 1990 على أن الدولة الأولى التي يصل إليها طالبي اللجوء ملزمة بالنظر في طلبات لجوئهم، وفي حال مغادرته لدولة أخرى يجب على هذه الدولة قبول عودته إليها، وفي حال عثر له على “بصمة” في قاعدة البيانات المشتركة فإنه يعاد إلى هذه الدولة وتعتبر الدولة الثانية غير مختصة بالنظر في طلب لجوئه إلا في حالات استثنائية.

” رولا أمين” المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لقاء مع قناة الجزيرة القطرية، اعتبرت أن محاولة بريطانيا ترحيل طالبي اللجوء نهج يقوض القانون الدولي. مضيفة إن ترحيل طالبي اللجوء سابقة خطيرة مخيبة للآمال وتقوض القانون الدولي والممارسات الراسخة المتعلقة بحماية اللاجئين في العالم. وإن “أي لاجئ يصل إلى أي دولة في العالم لديه الحق في التماس الأمان ويجب على الدول الالتزام بتوفير هذا الحق، ولا يجوز نقل هذه المسؤوليات والالتزامات إلى دول أخرى”، وأجازت المحكمة العليا البريطانية بقرار للقاضي “جوناثان سويفت” الجمعة 10 حزيران 2022 للحكومة المضي قدما بخطتها بترحيل طالبي اللجوء الى رواندا معللة قراراها “لا يوجد دليل على حدوث ممارسات تحمل سوء معاملة أو إعادة قسرية للمرحلين خلال المرحلة الانتقالية التي سيقضونها في رواندا”، حسبما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

نظرت محكمة الاستئناف في لندن يوم الاثنين 13 حزيران في استئناف اللحظة في محاولة من منظمات حقوقية لوقف ترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا وبعد جلسة استماع عاجلة في لندن يوم الاثنين، رفض ثلاثة من كبار القضاة الاستئناف قائلين إنه لم يكن هناك خطأ في قرار القاضي سويفت، بل “أجرى عملية التعليل بشكل صحيح” ولم يخطئ من حيث المبدأ ولا في النهج الذي اتخذه، ولولا تدخل المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان بقرار عاجل لكانت خطة الحكومة البريطانية نفذت أولى خطواتها وبالتالي لن يكون هناك رادع للمتابعة، القرار الصادر عن محكمة الاستئناف في لندن صدر بشكل قطعي غير قابل للطعن أمام المحكمة العليا، مما يعكس التوجه العام في تنفيذ خطة الحكومة مدعومة حتى من قبل السلطات القضائية وبدورها دافعت وزارة الداخلية عن هذه سياسة الترحيل الجديدة وقال رئيس الوزراء ” بوريس جونسون” إن الحكومة توقعت “الكثير من المشاكل الناشئة” مع النهج الجديد للتعامل مع طالبي اللجوء، لكنه قال إن هذه الخطوة ضرورية لوقف عمليات تهريب الأشخاص غير المشروعة على جانبي القناة.

التوجه في تشديد سياسات اللجوء في عدة دول بات يعكس مدى هشاشة القانون الدولي أمام السياسات الحكومية لبعض الدول فالدنمارك قامت بترحيل عدة لاجئين الى سوريا أو وضعهم في مراكز للترحيل بعد سحب إقاماتهم بحجة إن مناطق عدة في سوريا أصبحت آمنة، ضاربة بعرض الحائط كل التقارير الأمنية عن الوضع الأمني السيئ السمعة في سوريا ورغم تقارير عدة من منظمات دولية عن اختفاء عدة لاجئين أو قتلهم بعد اجتيازهم الحدود الى سوريا في مناطق سيطرة الأسد، واليوم ما تقوم به الحكومة البريطانية ما هو إلا صفعة قوية للقانون الدولي ولحقوق الإنسان، ولا يعلم المدى الذي ستذهب إليه المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في محاولة وقف خطة الحكومة البريطانية في ترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا، وربما تكون هي الأمل الأخير لطالبي اللجوء المحتجزين في بريطانيا وبارقة أمل في محاولة حفظ ماء الوجه لحقوق الإنسان والقوانين الدولية الراعية لها.

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram