في الدول المتمدنة يكون واجب الدولة أن تحمي مواطنيها وأملاكهم وتضمن لهم حقهم في استغلالها واستخدامها كيف يشاؤون دون مخالفة القانون، لكن الأمر لا ينطبق على الدولة السورية التي لم تكتف بأن قتلت الألاف من السوريين ودمرت مدنهم وقراهم وصادرت ممتلكاتهم بإصدار مراسيم وتعاميم مخالفة لكل الأعراف والمواثيق الدولية و للدستور الذي يفرض حماية الملكية الفردية للمواطنين،  مستغلاً غياب من هجرهم ليقوم في السنوات الأخيرة وبشكل متتابع إما بالمصادرة للأملاك أو استثمارها لصالح الحكومة  السورية بغير وجه حق مخالفاً كل ما تعارفت عليه النظم القانونية في حماية الملكية الفردية وصيانتها، ولتقوم الحكومة السورية في الآونة الأخيرة اليوم بطرح الأراضي الزراعية للاجئين في المزاد العلني ليتم استثمارها من قبل أشخاص غرباء  وغالبا ممن يملكون حظوة لدى النظام ممن رسي عليهم المزاد، والتضييق على أقارب الملاك الأصليين بوجوب تحصلهم على وكالات قانونية وموافقات أمنية وغالبا ما يتم رفض منحها ليتم السماح لهم في ما يسمى استثمار الأقارب للأراضي الزراعية.

لم يكتف النظام السوري بأن هجر الملايين من بيوتهم وأراضيهم، فلا زال يبدع بارتكاب الانتهاكات الواحدة تلو الأخرى على كافة الصعد ومنها استغلاله للتهجير عبر الناحية الاقتصادية ومصادرة أموال وأملاك السوريين بطرق مختلفة خارجة عن نطاق القانون ومخالفة لكل أعراف ومواثيق القانون الدولي.

بانتهاك صارخ لحق الملكية التي من المفترض أن يكون محمي بموجب الدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية العهد الدولي يقوم النظام السوري منذ عدة سنوات وحتى اليوم بطرح الأراضي الزراعية للاجئين في المزاد العلني ليتم استثمارها من قبل أشخاص غرباء ممن رسي عليهم المزاد، والغالب أن يرسوا المزاد على الموالين للنظام وأزلامه في تلك المناطق. ويقوم النظام بفرض الحصول على موافقة أمنية لأقارب الملاك إضافة إلى ما يثبت درجة القرابة في حال أرادوا استثمار أراضي أقربائهم المهجرين خارج تلك المناطق، إضافة إلى ضرورة توافرهم على وكالة تخولهم استغلال تلك الأراضي، بعد حصولهم على الموافقة الأمنية للوكالة أيضاً.

ويأتي ذلك في تجاهل تام لحق الملكية الذي يعطي المالك فقط دون غيره أو وكيله القانوني في حدود القانون، حقّ استعمال ملكه واستغلاله والتصرف فيه، ويكون له الحق في كل ثماره ومنتجاته وملحقاته، ولا يجوز أن يحرم أحد من ملكه إلاّ في الأحوال التي يقررها القانون وبالطريقة التي يرسمها. ورغم إن إجراءات المزادات العلنية قد لا تؤدي بالضرورة إلى نقل الملكية إلا إن قيامها بحد ذاته هو تعرض لحق الاستعمال والاستغلال والتصرف بالملكية.

هذه الخطوة من قبل مجلس محافظة إدلب تأتي بعد أيام قليلة من الدعوات والوعود التي أطلقها كل من محافظ إدلب ثائر سلهب، ورئيس شعبة المخابرات العامة التابعة للنظام اللواء حسام لوقا، بخصوص السماح للنازحين بالعودة إلى مناطقهم بداية من مدينة معرة النعمان والتي كان من المفترض أن تستقبل أولى العائدين أوائل الشهر الحالي تشرين الأول/أكتوبر2022.

يدعي النظام السوري بأن الأراضي التي يتم طرحها للاستثمار عبر نظام المزاد العلني أصحابها مدينون “للمصرف الزراعي” بقروض غير مسددة وأن هدف هذه المزادات هو تحصيل الدين لصالح المصارف الزراعية، لكن عدم منطقية ادعاء النظام تأتي بأن  الجهة التي تقوم بطرح أراضي اللاجئين للاستثمار هي مجالس المحافظات أو فروع الاتحاد العام للفلاحين في المناطق أو حتى اللجان الأمنية والعسكرية، وكانت الصفحة الرسمية لمجلس محافظة إدلب التابعة لنظام الأسد على الفيس بوك قد أعلنت عن طرحها لمزاد علني يشمل أراضي خان شيخون  والمناطق التابعة لها في الفترة الواقعة بين 2 و6 تشرين أول العام 2022 وتم تأجيل بدء المزاد ليوم 4 تشرين أول، وتم طرح أراضي  منطقة معرة النعمان في الفترة الواقعة بين 9 و 13 تشرين أول 2022 وأراضي سراقب و أبو الظهور في الفترة الواقعة بين 16 و20 تشرين أول 2022 وتم طرح الأراضي في المزاد العلني من قبل الأمانة العامة لمحافظة إدلب        و التي لا تملك الصفة القانونية للقيام بهذا الإجراء، خاصة أن النظام يروج أن طرحه الأراضي الزراعية للاستثمار هي لتحصيل ديون زراعية بذمة المزارعين لصالح المصرف الزراعي، وفي حال صحة وجود دين بذمة المزارعين  فالجهة المخولة بتحصيل الديون هي المصارف الزراعية  التي تملك سند تنفيذي يؤكد وجود الدين ويعيين مقداره وان يكون هذا الدين مستحق الأداء وفي هذه الحالة يصار إلى إلقاء الحجز التنفيذي من قبل رئيس دائرة التنفيذ في الدائرة استنادا إلى السند التنفيذي الذي بيد المصرف وليتم اتخاذ إجراءات التبليغ من قبل دائرة التنفيذ للمدين و الذي يملك حق استئناف قرار رئيس التنفيذ، حيث يضمن القانون للمنفذ ضده خلال المدة القانونية الاعتراض على السند المبرز من قبل طالب التنفيذ واستئناف القرار المتضمن إلقاء الحجز التنفيذي ، ولا يكتسب القرار الدرجة القطعية ولا يستطيع طالب التنفيذ القاء الحجز التنفيذي على أموال المدين الا اذا صدق القرار استئنافا.

العائق الثاني هو عدم إمكانية متابعة إجراءات التنفيذ بسبب توافر القوة القاهرة التي تجعل من تنفيذ الالتزام مستحيلا وتمنع المنفذ عليه من سداد التزاماته، الأمر المتوفر هنا بوجود عنصر التهجير والحرب الأمر الذي يجعل الإجراءات القانونية والتبليغ بحق المنفذ عليه غير قانونية وغير مستوفيه للشروط الشكلية، الأمر الذي يجعل استكمال الإجراءات في هذه الحال مخالف للقانون.

 بحسب اجتهادات محكمة النقض السورية التي تعتبر أن الحروب والاضطرابات حوادث خارقة للعادة وغير منتظرة فإن “القوة القاهرة أمر لا ينسب الى المدين وليس متوقعاً حصوله وغير ممكن دفعه ويؤدي الى استحالة تنفيذ الالتزام ويجب أن يكون الامر غير متوقع الحصول عند التعاقد ويقدر عدم امكان التوقع تقديراً مجرداً لا شخصياً ويكون الامر غير ممكن توقعه عندما لا يقوم سبب خاص لتوقع حدوثه ولا يكفي لعدم اعتباره كذلك مجرد امكان حدوثه.”

قرار 100 / 1976 – أساس 455 – محكمة النقض – الدوائر المدنية – سورية قاعدة 277 – م. المحامون 1976.

اما الإجراءات التي يقوم بها النظام السوري عبر مجالس المحافظات فلا يوجد لها أي سند قانوني ولا يتم اتخاذها بناء على أحكام قانونية قطعية ولا يتعدى الأمر هنا إلا نهج عصابة تمارس عمليات انتقامية ضد معارضيها أو الخارجين عن سلطتها.

حق الملكية في القانون السوري

المادة “15” من الدستور السوري المعدل والصادر في العام 2012 على أنه:

“الملكية الخاصة من جماعية وفردية، مصانة وفق الأسس الآتية

  • المصادرة العامة في الأموال ممنوعة.
  • لا تنزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة بمرسوم ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون.
  • لا تفرض المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي مبرم.
  • تجوز المصادرة الخاصة لضرورات الحرب والكوارث العامة بقانون لقاء تعويض عادل.
  • يجب أن يكون التعويض معادلاً للقيمة الحقيقية للملكية.”

رغم أن الدستور السوري نص على ان الملكية الفردية أو الجماعية مصانة إلا أن ما يجري على أرض الواقع بعيد كل البعد عن الحماية التي منحها الدستور فالواقع متناقص مع الدستور بموجب عدة مراسيم وقوانين أصدرها النظام السوري منح فيها الحكومة صلاحيات واسعة في مصادرة أملاك اللاجئين والنازحين سواء داخلياً أم خارجياً.

فقام النظام بإصدار القانون رقم “10” للعام 2018 والذي يعتبر مكمل للمرسوم “66” الصادر لعام 2012 والذي بموجبه يمنح صلاحيات للدولة بإعادة تنظيم مخططات عدة مناطق وهدمها في ظل سياسة استخدام النظام المخططات التنظيمية الجديدة، وما قضية طرح الأراضي الزراعية العائدة للاجئين للاستثمار ما هو إلا طريق جديد من النظام للسيطرة على ملكيات واموال كل المناطق التي شهدت معارضة لنظام الأسد.

ولا يستطيع اللاجئين المقيمين في مناطق خارج سيطرة النظام من التصرف بأموالهم أو أملاكهم عبر وكيل حيث يمنع النظام السوري تنظيم أي وكالة دون حصول الوكيل والموكل على موافقات أمنية بموجب التعميم رقم 30 الصادر عن وزارة العدل للعام 2021.

حق الملكية في القوانين والاتفاقيات الدولية

راعت الاتفاقيات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان حق الفرد في الملكية واعتبرته من الحقوق الأساسية للإنسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو قوميته أو جنسه أو أية اعتبارات أخرى، وتلزم هذه الاتفاقيات الدولية والمواثيق الدول الأطراف بضمان حق الملكية في دساتيرها وقوانينها الوطنية أيضاً.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

حيث نصت المادة”17″ منه على:

  1. لكل فرد حق في التملك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.
  2. لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً.

الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التميز العنصري 1965

حيث نصت الاتفاقية في المادة “5” منها على أنه: ” إيفاء للالتزامات الأساسية المقررة في المادة 2 من هذه الاتفاقية، تتعهد الدول الأطراف بحظر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة أشكاله، وبضمان حق كل إنسان، دون تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الأصل القومي، أو الاثني، في المساواة أمام القانون، لا سيما بصدد التمتع بالحقوق التالية: الفقرة “د” البند “5”: (د) الحقوق المدنية الأخرى، ولا سيما: 5- حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع آخرين”.

مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن رد المساكن للاجئين والنازحين

أو كما هو متعارف عليها باسم مبادئ “بينيرو” الصادرة عام 2005 والتي تبرز بشكل كبير المبادئ والأحكام المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في حماية مساكن وأملاك اللاجئين وتهدف بمجملها إلى تطوير آليات وتحسين قوانين رد الممتلكات للاجئين في حالات النزاع وما بعد النزاع.

ووفقاً لمبادئ بينيرو فإن الحق في استرداد الملكية هو حق قائم بذاته ولا ينتقص منه عودة اللاجئين فعلياً لاسترداد ممتلكاتهم أو عدم عودتهم نهائياً. وبموجب المبادئ فإنه يحظر على الدول أن تقوم بعمليات الإخلاء القسري وهدم المنازل وتدمير المناطق الزراعية والاستيلاء عليها كإجراء تأديبي، كالحالة التي يقوم بها النظام السوري في تعامله مع أملاك اللاجئين والنازحين في المناطق التي شهدت معارضة لسلطته.

القانون الإنساني الدولي

القانون الإنساني الدولي هو أحد فروع القانون الدولي ويهدف الى ضمان احترام المبادئ الإنسانية العامة في حالات النزاع الداخلي المسلح وإن كان بصورة أقل عن حالات النزاع الدولي المسلح، ويقر القانون ضمانات قانونية عالمية لتوفير الحماية لتلك المبادئ، والهدف الرئيس لقواعده تكمن في حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في العمليات القتالية أو توقفوا عن المشاركة فيها وحماية الأموال التي لا علاقة لها بالعمليات العسكرية ويضع ضوابط لضمانات حقوق المدنيين فيما يخض الوسائل والأساليب المستعملة في أوقات الحرب.

خلاصة الأمر أن النظام السوري حتى لو كان موقعاً أو مصادقاً على الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تعني بحماية الملكية الفردية إلا أنه يقوم بخرق الدستور السوري  والقوانين السورية قبل أن يخرق القوانين والاتفاقيات الدولية، وما النهج الذي اتبعه في السنوات الفائتة بإصدار مراسيم وقوانين وتعاميم تخوله الحق بمصادرة وبيع أملاك المهجرين ومنعهم من إدارتها عبر وكلاء قانونين كالقانون رقم 10 والمرسوم 66 و التعميم 30  والإجراءات التنفيذية التي يتخذها عبر ممثليه في المحافظات كمجالس المدن وغيرها في الاستيلاء والاستثمار ما هو إلا نهج يعكس عمليات إنتقامية من معارضيه وتعزيز سياساته في تهجير أبناء المناطق المعارضة.

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram